الرئيسية / أخبار / كنتُ في الثانية عشرة من عمري وعلى بُعد عدة بنايات من مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر.. هكذا رأيت العالم يتغير من حولي إلى الأبد
في الحادي عشر من سبت..

كنتُ في الثانية عشرة من عمري وعلى بُعد عدة بنايات من مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر.. هكذا رأيت العالم يتغير من حولي إلى الأبد

في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، كنتُ في الثانية عشرة من العمر، وكنتُ في مدرسة تبعُد بضعة مبانٍ عن مركز التجارة العالمي، حينها شعرنا بتأثير الصدمة من ارتطام الطائرة بالمبنى الأول.

واصلنا درس العلوم في صفّي غير مدركين للأحداث في الخارج، حتى أُعلِم الجميع بأن عليهم الانتقال للكافتيريا. انتظرنا هناك، مرتبكين وخائفين، حتى دخلت علينا وِحدة تفكيك المتفجرات فجأة، وأمهلونا خمس دقائق لإخلاء المبنى.

هرع أولياء الأمور بذعر للكافتيريا لتفقد أطفالهم. أُصِبتُ بالذعر وتساءلت: كيف سأعود لجدَّي المُسنين اللذين يقيمان في منزلنا على بُعد عدة بنايات من البُرجين، حينها ظهرت جارتنا وابنها ذو الثلاثة عشر عاماً عند مدخل الكافتيريا لاصطحابي إلى المنزل.

غادرنا قبل دقائق من انهيار البُرج الأول.

كنا نركض للنجاة بأرواحنا بعيداً عن الأبراج المنهارة، البرج الأول ثم البرج الثاني. لن أنسى أبداً حينها ما رأيناه وسمعناه وشممناه وما مررنا به ونحنُ نركض تجاه المنزل بين الجموع المغطاة بالدماء والرماد وبحر من رجال الشرطة.

بدا الأمر وكأنها نهاية العالم، وعلى الرغم من نجاتنا أنا ووالديّ، فإن العالم كما كُنا نعرفه لم ينجُ، فالحياة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول قد بدأت للتو.

في الأيام التي تلت الأحداث، بات حيُّنا كمنطقة حرب. تجنبنا الخروج من المنزل قدر ما نستطيع؛ لأن الهواء كان معبّأً بالدخان السام. لم تكن لدينا تقريباً أي سُبُل للحصول على الطعام أو الماء أو الكهرباء أو الدواء.

انتشرت قوات الحرس الوطني في كل رُكن من الحي. كانت الأبراج لا تزال مشتعلة، كما كانت الإشاعات عن وجود المزيد من القنابل والبنايات المُهددة بالسقوط تصدر كل ساعة. لم أرتد المدرسة لمدة أسبوعين، وعندما نُقلنا لمدرسة أخرى في أطراف المدينة، كان يتم تشجيعنا على المُضي قُدُماً والتركيز على الدراسة.

ولكن «المُضي قُدُماً» لم يكن بالأمر السهل في زمن الإنذارات البرتقالية (حالة التأهب والحذر بين الإنذارين الأحمر والأصفر) والمخاوف من الجمرة الخبيثة و «أسلحة الدمار الشامل» والأحذية المتفجرة.

لسنوات، نشأنا نحن الناجين من الأحداث على الانبطاح خوفاً حين نسمع صوت طائرة محلقة فوقنا. كان يمكن لصفارات الإسعاف أو الصراخ أو صوت حافلة تمر مسرعة فوق مطب طريق، أن تُسبب لنا حالات من الهلع. وجميع هذه الأصوات شائعة في نيويورك كشيوع صوت صرّار الليل في الأرياف.

ولكن لم تكن حياتنا وحدها هي التي تغيرت للأبد، بل العالم بأكمله:

حقائب الظهر وحقائب الأمتعة وأشياء أخرى كانت تُعتبر شائعة ومنتشرة للغاية في نيويورك، صارت فجأة شيئاً خطيراً.

كانت هذه بداية حملة «إذا رأيت شيئاً، فبّلغ عنه – If you see something, say something» من قِبَل وزارة الأمن الداخلي، والتي تحث المواطنين على الإبلاغ عن الحقائب المشبوهة أو المتروكة والتي قد تكون قنابل أو أي شيء آخر خطير.

أُعيدت هيكلة أمن المطار بالكامل

بعد مرور شهرين على الهجمات، أُنشئت إدارة أمن وسائل النقل (TSA). لم يعد بإمكان أصدقائك وعائلتك استقبالك عند البوابة، حيث يمكن للمسافرين فقط أن يصلوا إلى هذا الحد. أُدخلت أجهزة مسح جديدة للمطار. وعُزز باب قُمرة القيادة في الطائرة لـ «يصمُدَ أمام انفجار قنبلة يدوية»، وصار يغلق في العادة أثناء الرحلات.

وفي الربيع التالي، بعد عودتي من رحلة لعالم ديزني، شعرتُ بالذُعر في المطار لوجود فريق بيسبول كان يسبب صخباً وضجة بالمكان، والذي كان سبباً في تحفيز حالتي من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).

ولاحقاً، ظل رجل على متن الطائرة يحذر الركاب من الجلوس في الدرجة الأولى، لكنه لم يوضح السبب. شعرتُ فوراً بالريبة، ولكن بعد التفاف عدد من الناس حول شخصٍ في قاعة تسلّم الأمتعة مطالبين إياه بالحصول على توقيعات، أدركتُ أن رامي الكرة في فريق اليانكيز، راميرو ميندوزا، كان على متن الطائرة معنا.

بدأ أفُق مانهاتن القديم بالتغير على شاشة التلفاز.

عدلت مسلسلات تلفزيونية (كالجنس والمدينة – Sex and the City) وأفلام مثل الرجل العنكبوت بعد الإنتاج، ليحذف منها أي ظهور للبرجين.

أثرت جرائم الكراهية والإسلاموفوبيا على المسلمين وعلى المواطنين المنحدرين من أصول شرق أوسطية

بحسب صحيفة النيويورك تايمز، فقد أدى نشرُ وسائل الإعلام لهويّات وخلفيات الإرهابيين إلى ارتفاع جرائم الكُره في الولايات المتحدة ضد المسلمين والأشخاص الذين بدا أنهم شرق أوسطيون.

لحسن الحظ، كان لدي مُدرس علوم إنسانية ساعدنا بشكل أفضل على فهم من كان، ومن لم يكن، مسؤولاً عن الأحداث وعن المواضع التي حرفت فيها المعلومات؛ ولكن بدت محاولة استيعاب ذلك كله في سن الثانية عشرة، وفي مواجهة المزيد من التهديدات، شيئاً مخيفاً ومهيباً.

كنا نشاهد الطائرات وهي تحلّق فوقنا في وجل

في السابق، لم يهتم أحدنا حقاً بالطائرات. فقد كانت تحلّق فوق نيويورك طيلة اليوم، كل يوم، وبالعشرات.

أما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، فقد كنتُ أنبطح بشكل غريزي عندما أرى الطائرات فوقي، وكثيراً ما كان الجيران يعلّقون بعصبية على مدى انخفاض ارتفاع طيران هذه الطائرات.

شعرتُ بأنه لا أحد يستطيع أن يُبقينا آمنين تماماً

أدرك الناجون من ذلك اليوم المأساوي في سن مبكرة أن والديْنا والحكومة وفِرَق حالات الطوارئ لا يستطيعون حمايتنا من كل شيء.

لم يعد الكثير منا يشعر بالأمان والثقة فيمن نعتمد عليهم لحمايتنا عادةً. عندما كنتُ أذهب للمدرسة، لم أكن متأكدة من رجوعي لوالديّ في المنزل بعدها ثانية.

في حين كانت هذه المشاعر مسيطرة علينا نحنُ الذين كنا نعيش في مركز المدينة وغيرنا ممن كان يعيش في مدينة نيويورك، فقد امتدت هذه المشاعر أيضاً لتصل حتى إلى الناس في الساحل الغربي، والغرب الأوسط، والجنوب، وأولئك الذين كان يسافر آباؤهم من أجل العمل، والعاملين في المباني ذات الحراسات المشددة، والطيارين، وغيرهم الكثيرون.

باتت غراوند زيرو (مكان سقوط البرجين) معلماً للسيّاح

في الأشهر التي أعقبت الهجوم، اصطف الآلاف من الناس لمشاهدة والتقاط صور للحفرة العملاقة المليئة بالحطام؛ حيث كان البرجان ينتصبان.

وقف الكثيرون أمام الحفرة يلتقطون صوراً لأنفسهم وهم يبتسمون ويتخذون الوضعيات، وكأن هذا المكان لم يكن ساحةً للموت والدمار والمأساة. وكان الباعة المتجولون يبيعون كُتُباً مُلئت بصور للانفجاريْن والانهيار والطائرات كما لو كانت مثل الهدايا التذكارية التي تحصل عليها بعد حضورك لعرض برودواي (Broadway).

تدفق الناس من جميع أنحاء العالم إلى ما كان بالأساس يُمثل الفناء الخلفي بالنسبة لي ليشاهدوا المأساة كما لو كانت نقطة جذب سياحية، وقد ظل الأمر على هذا النحو لسنوات.

الآن، يستطيع الناس زيارة البركة العاكسة، والنصب التذكاري ومتحف الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وبرج الحرية.

على الجانب الآخر من هذه التغييرات المأساوية، وبعد سنوات من المعاناة من حالة اضطراب ما بعد الصدمة، جاء الأمل على الجانب الآخر. أمل وامتنان بالنسبة لي على الأقل، لحياتي، ولحياة أحبائي، ولفكرة أن أي يوم قد يكون حقاً آخر أيامنا، ولرفض تأجيل قول أو عمل أو محاولة أي شيء للغد يمكن القيام به اليوم.

The post كنتُ في الثانية عشرة من عمري وعلى بُعد عدة بنايات من مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر.. هكذا رأيت العالم يتغير من حولي إلى الأبد appeared first on عربي بوست — ArabicPost.net.

Facebook Comments

عن مابريس تي في

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *