الرئيسية / أخبار / «الارتجال» سلاح الغزِّيين لمواجهة الحظر الإسرائيلي على دخول ألواح ركوب الأمواج إلى القطاع

«الارتجال» سلاح الغزِّيين لمواجهة الحظر الإسرائيلي على دخول ألواح ركوب الأمواج إلى القطاع

ذات مرة اقترح الراحل إمبرتو إيكو، أستاذ السيميائية ومؤلف رواية «بندول فوكو» (Foucault’s Pendulum)، ورواية «اسم الوردة» (The Name of the Rose)، قائمةً كاملةً لكتبٍ تحمل عناوينها تناقضاً لفظياً. التصق أحدها بذهني، وكان عنوان الكتاب «الزراعة في القارة القطبية الجنوبية» (Antarctic Agriculture). ليس هناك الكثير ليقال حول هذا الموضوع. وربما يفترض القارئ أن نظرية التناقض اللفظي هذه تنطبق على عنوان من قبيل «ركوب الأمواج في غزَّة«، ولكن هذا الافتراض خاطئ، كما يثبت في الفيلم الوثائقي الجميل والمؤثر «نادي غزة لركوب الأمواج»، من إخراج فيليب جنات. يبدو أنَّ غزة لديها أمواج ملائمة للتزلج، وحفنة من متزلجي المياه الأكفاء. فلنطرح سؤالاً لا مفر منه: هل هؤلاء «معادون للسامية»؟ الإجابة هي: لا. ولكن ربما يكونون معادين للسيميائية.

ركوب الأمواج في غزة

سأوجّه تحية موجزة إلى نادي أفلام People’s Film Club of Hackney، ومؤسسته كيت هودكنسون، الذي عرض الفيلم مؤخراً ووجه إليّ دعوة كريمة لتقديمه. يختص هذا النادي بتقديم «قصص جديدة وغير متوقعة»، وأيضاً «عرض أفلام قوية يصاحبها متحدثون على دراية كبيرة بالمواضيع». لقد فوجئت أنَّهم لم يطلبوا من جيريمي كوربين أن يضطلع بذلك الدور، في ظل موقفه المؤيد لفلسطين. بل إنَّه لأول مرةً لا يكون حاضراً ولا مشاركاً عندما يتعلق الأمر بفلسطين. فلن تشاهدوا زعيم حزب العمال يرتدي سروالاً قصيراً.

عندما شاهدت فيلم نادي «غزة لركوب الأمواج»، أدركت أن هناك تداخلاً غير معترف به حتى اليوم بين الفلسطينيين والبولينيزيين. بعد حقبة القبطان كوك، طُرد معظم سكان هاواي، أو انتزعت منهم ملكية أراضيهم عن عمدٍ أو غير عمد. ثم تعرَّضت الجزر لانقلاب شنّه أميركيون أثرياء، لتُلحق الجزيرة بعد ذلك بالولايات المتحدة، وتُضم إليها باعتبارها الولاية الخمسين.

ركوب الأمواج في غزة ممتع للغاية!

استمرَّ ركوب الأمواج حتى يومنا هذا، رغم الجهود الحثيثة من جانب الإنجيليين التطهيريين، الذين استنكروه. وحسبما أخبرني أحد السكان الأصليين لهاواي: «الشاطئ هو كل ما تبقى لنا». أما الفلسطينيون في نادي غزة لركوب الأمواج -وهم شعب مهمَّش، ومحروم، ومعرض للخطر، لكنه صامد يتسلح بحس دعابة يهوِّن عليه مرارة الطريق- فقد قالوا شيئاً مشابهاً. في حالة هاواي، أصدر الكونغرس منذ سنوات، أثناء حكم الرئيس بيل كلينتون، اعتذاراً (قرار اعتذار) عن استعمار المكان. غير أنَّ هذا لم يحدث بعد في المكان الذي يهم الفلسطينيين، إلا إذا اعتبرنا أن نعوم تشومسكي ممثل للحكومة الأميركية.

بمحض الصدفة -أو بمحض ما قد يُطلق عليه يونغ تزامناً- كنت مؤخراً على اتصال بإبراهيم عرفات، أحد أبطال الفيلم. تمكن إبراهيم -الذي يشبه رونالدو كثيراً- بعد محاولات فاشلة عديدة، وإنفاق مبلغ كبير من المال، وتدخل من مالكه الحارس الأميركي، ماثيو أولسن (مؤسس مشروع Explore Corps، وسفير مبادرة Surfers for Peace)، من أن يحقق مبتغاه ويصل إلى هاواي. (ربما السطور التالية تحمل كشفاً لأحداث الفيلم).

الحرب جعلت من التمريض والمقاولات أهم المهن في غزة

يعيش إبراهيم الآن في هيوستن، بولاية تكساس، ويدرس التمريض، ويعمل في نفس الوقت بمجال المقاولات. سيتضح لأي شخص يشاهد هذا الفيلم، أن التمريض والمقاولات أكثر المجالات المطلوبة إذا أردت الحصول على وظيفة في غزة. انتهى بي الأمر بتبادل رسائل البريد الإلكتروني معه، والفضل في ذلك يعود إلى ضياء ليونارد دريسنر، وهي أميركية من أصول فلسطينية تدير منظمة Leonard Education، وتسهم في مساعدة الشباب الفلسطينيّ في الحضور إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراسته الجامعية.

مثل كثير غيره من المشاركين في الفيلم الوثائقي، قال إبراهيم إنَّ الفيلم أهمل «جميع الأشياء المهمة». وهذا صحيح، غير أنّي أعتقد أنَّ كثيراً منها معروض ضمنياً في الفيلم. لا يحتاج أي شخص أن يقول: غزة عبارة عن سجن. والفيلم أشبه ما يكون بفيلم الخلاص من سجن شاوشانك (The Shawshank Redemption) عبر الأمواج. عندما يخرج إبراهيم من غزَّة، فكأنه بذلك يحاكي هروب هاري هوديني بأعجوبة من القيود والأغلال. وانطوت مهمته عندما غادر القطاع على تعلم طريقة صناعة ألواح ركوب الأمواج في هاواي، وإحضار ألواح ركوب الأمواج ومعدات صناعة ألواح معه وهو عائدٌ إلى غزة. ولكن هل ينجح إبراهيم في مهمته؟

لننحِ جانباً كل التاريخ المشكوك في صحته عن إسرائيل، وأحداث 1948 التي يطلق عليها الفلسطينيون «النكبة»، وحرب الأيام الستة، واحتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية، واستمرار التوسع الإمبريالي وحملة التطهير العرقي بوتيرة سريعة، التي يُطلق عليها الإسرائيليون «الاستيطان»؛ لتخفيف وقعها على النفس. بل ولننحِ جانباً القانون الأحدث المسمى بـ «قانون الدولة القومية لليهود»، الذي يبين حالة من التمييز العنصري، بل يؤكد عليها ويرسخها. هل تريدون أن تعرفوا القشة التي قصمت ظهر البعير؟ لن تسمح إسرائيل بدخول ألواح ركوب الأمواج إلى القطاع؛ إذ من الواضح أنّها جزءٌ من مؤامرة شريرة تقودها حماس. أو لعلها ستعرض رسائل تخريبية مشفرة مكتوبة على ملصقات ستوضع على ظهرها على غرار: «الحياة شاطئ»، أو «تزلَّج يا صاح».

من هاواي إلى غزة – لا.. لا يمكن!

حصل إبراهيم على ألواح ركوب الأمواج في هاواي، حسناً، لكنه أخبرني قائلاً: «لم نستطع إرسالها إلى غزة لأننا لم نحصل على التصاريح لذلك من الحكومة الإسرائيلية». سأتحمل خطورة نعتي بإيضاح الواضح وتفصيل المفصَّل، دعوني أكرر ذلك: تحظر إسرائيل استيراد ألواح ركوب الأمواج. تجرم إسرائيل ركوب الأمواج بالفعل، مثلما حاول الإنجيليون المتعصبون في الساحل الشرقي أن يفعلوا في هاواي. كتب إبراهيم في إحدى رسائل البريد الإلكتروني التي أرسلها إلي: «قابلت كثيراً من الأشخاص بعد الفيلم، وأرادوا أن يدعمونا وأن يؤسسوا النادي، وعرضوا إرسال ألواح ركوب الأمواج إلى غزة، ولكن إسرائيل تمنع دخول أي نوع من المعدات أو الألواح إلى غزة. ممنوع دخول ألواح ركوب الأمواج، ممنوع ركوب الأمواج. من خلال تسلسل غريب للظروف التاريخية، أصبح ركوب الأمواج في القرن العشرين مرادفاً لمذهب المتعة والتلذذ. وامتداداً لهذا، تجرم إسرائيل المتعة في غزة. والألم فقط -وهو ما يطلق عليه سيجموند فرويد «مبدأ الحقيقة»- هو المسموح به. أو ربما هو المفروض فرضاً على سكّان القطاع.

كان ركوب الأمواج خيالاً، وخرافة، وحلماً لسكان المناطق الحبيسة (كان علي أن أعرف ذلك، نظراً إلى أنني ولدت في فوريست غيت شرقي لندن). كان ركوب الأمواج أغنية، غناها في البداية شعراء هاواي من السكان الأصليين، ثم فريق The Beach Boys الأميركي. وكان ركوب الأمواج، في أفلام على شاكلة Big Wednesday أو Point Break – وهو الفيلم الذي تعلّم فيه الممثل الكندي كيانو ريفز ركوب الأمواج في خمس دقائق تقريباً- مجرد أشياء لا تُرى إلا في هوليوود. والآن، صار ركوب الأمواج حقيقة، بل وربما يكون آخر ما تبقى من حقيقة تنحسر بسرعة، ويبدو كل ما سواها خيالاً.

ومثلما يعرض الفيلم، يبدو أن روح ركوب الأمواج بكل وضوح هي حالتنا الطبيعية. فالانجذاب إلى ركوب الأمواج، والاتصال بالأمواج أشياء عالمية وعابرة للحدود. وركوب الأمواج تمرين عملي على التسامي.

لا شك أن معاداة السامية شيء حقيقي، لكنها تظل تهمة تتسع للمبالغة في التشخيص ورمي الناس بها بالباطل. هل يعتبر راكبو الأمواج في غزة معادين للسامية؟ وهل جيريمي كوربين معادٍ للسامية؟ كلا، ولكنهم معادون للسيميائية. تعتمد السامية (مثل الفكرة المناهضة لها) على السيميائية، أو على نشر الأساطير والمعاني. إننا نضفي على أنفسنا -وعلى الآخرين- طابعاً أسطورياً من خلال القولبة، أو استحضار هويات خالدة مُتصوَّرة. إذ إن الانجراف الضمني مع أي فيلم وثائقي هو أن نلفت انتباهنا إلى التخيلات التي تميل بدلاً من ذلك إلى الاستحواذ على عقولنا. فتواجه عقولنا خطراً بأن تصبح هي الأخرى أرضاً محتلة.

كانت إسرائيل -مثلما أوضح إدوارد سعيد (مؤلف كتاب الاستشراق) ورشيد خالدي (مؤلف انبعاث الإمبراطورية)- بارعة في السيميائية، وفي الترويج لفكرة وجودها (لا سيما في الأمم المتحدة)، التي تعود إلى داوود وجالوت وما قبلهما. غير أنها في جوهرها صورة أخرى من القولبة، أو قصص خيالية نحكيها لأنفسنا، أو عبارة عن مزيج من التأليه والشيطنة. ليس الكتاب المقدس سوى مجموعة من الأساطير التي منحناها مكانة شبه مقدسة. وفي الوقت ذاته، كان الفلسطينيون (وهم صورة انعكاسية للفلستيين، أو أنهم هؤلاء الأعداء و «الأغيار» الغامضون ممن ليس لهم ثقافة) على الطرف المتلقي للرواية التي لم يختاروا دورهم فيها. إذ يُحكم عليهم بالموت وفقاً للأسطورة التي أُلصقت بهم.

ومن ثم تظهر القرابة الغريبة بين هذين الشخصين الميتافيزيقيين الرئيسيين، وهما دعاة لنوع من نظرية المعرفة الأناركية، دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو. يعتقد كلاهما أن الحقيقة ليست حقيقة، بل بدلاً من ذلك (مثلما يقول نيتشة): «جيش متنقل من الاستعارات والكنايات والتشبيهات». ولكن مع التأكيد على أنَّ لفظ «الجيش» يمكن أن يكون أيّ شيء إلا أنَّه الاستعارة. وتلك أسطورة تُطلق من فوَّهة بندقية واسعة جداً.

نادي ركوب الأمواج تذكرة بمأساة غزة

تقول كيت هودكنسون إنّ نادي غزة لركوب الأمواج هو تَذكرة بـ «الواقع القاتم للحياة» التي يعيشها أهل غزة. وبالتالي فهو بعيد كل البعد عن القوالب النمطية. وقال مخرج الفيلم، فيليب جنات، إنه انجذب إلى الموضوع لأنه «كان من الممتع أن نستمع لشيء غير «الاحتلال» و «الإرهاب»، على سبيل التغيير». غير أن الفيلم تدريبٌ قويّ على التخلص من الأساطير. فهذا هو ركوب الأمواج في الغزة، استناداً إلى الفلسفة الوضعية المعتمدة على المعالجات المنطقية والتجربة الحسية، التي لا تحتمل الصبر على تجريد الفكرة والخطابات المحيطة بها. يقول راكب الأمواج الأكبر سناً بين الفريق، واسمه رجب، ويبلغ من العمر 42 عاماً، إنه في مرحلة ما «لم يكن لدينا أمل. وإذا كنت تعتقد أن هناك أملاً، فأرجو أن تشير إليه كي نتمكن من البحث عنه. فأين هو الأمل؟» الأمل ليس تجريبياً. لنتمسك بالحقائق. ولعل رجب قال السطر الأكثر كوميدية في الفيلم كله، عندما قال إنه إذا حدث إعصار سيهرع للاعتناء بلوحات ركوب الأمواج خاصته، بدلاً من الاعتناء بأطفاله «لأنني يمكن أن أنجب أطفالاً آخرين، ولكنني لا أقدر على استبدال لوحات ركوب الأمواج».

يغلب الطابع الذكوري على راكبي الأمواج، ولكن يوجد راكبة أمواج بينهم، واسمها صباح، التي أبعدت عن الساحة حين «اكتمل تكوينها في صورة أنثى»، لكنها كافحت مرة أخرى كفاحاً بطولياً، ودعمها في ذلك أب متمرد لا يؤمن بالتسلط الذكوري.

ليس ركوب الأمواج شيئاً مثالياً، ولم يقل أي شخص ذلك، بل إنه عرضة لمَواطن القصور والفساد والشر وأحياناً يكون مميتاً وغير مجدٍ مثل أي مجال آخر من مجالات النشاط الإنساني. ولكن له في الوقت نفسه طابع خيِّر وإنساني ورافع للمعنويات، ويحسن نوعية الحياة وينشر الوعي، مثل أي مجال إنساني آخر.

استثارني دائماً شيء يتعلق بهواية ركوب الأمواج عموماً، إذ تعتقد في البداية أنه شيء ثانوي وهامشي، ولكن يتضح لك أنه أشبه بعالم مصغر للمجتمع في العموم وبه العديد من الحقائق القاسية. وقد تعتقد أن ركوب الأمواج في غزة أكثر هامشية، غير أنَّ هذا الفيلم يبين أنّه ليس كذلك، إذ إنّ ركوب الأمواج وغزة مترادفان ومتحدان في الحس المتعلق بالمحيط.

قالت كيت هودكنسون إنها أرادت للناس «أن يتعرفوا على إنسانية شعب غزة، بدلاً من أن يرتبطوا في الأذهان دائماً بأنهم مجرد أرقام في الصراعات الدولية». وإذا أردتم مثالاً واضحاً على الطابع العالميّ لركوب الأمواج، فلن تحتاجوا إلا أن تلقوا نظرة على إبراهيم عرفات عندما يقول: أياً ما يحدث «عندما تكون الأمواج مواتية، فتلك هي الفرصة: ويجب علي أن أذهب للتزلج! أستطيع دائماً أن أذهب للعمل لاحقاً». ثم يضيف لاحقاً أن «أصعب شيء هو العودة إلى العمل بعد الشاطئ».

ثمة شيء آخر توصلت إليه من مراسلاتي مع إبراهيم عرفات. لا يوجد حدود، بل يوجد فقط «راكبو أمواج»، مما يعني أننا نحن الذين نوجد هذه الحدود، ويمكننا محوها أيضاً. وحسب الإشارة الدقيقة التي عبر عنها جان بول سارتر إعلاناً منه عن تقديره لركوب الأمواج (في كتاب الوجود والعدم): «أفضل انزلاق هو ذاك الذي لا يُخلِّف وراءه أثراً؛ أي الانزلاق على الماء».

The post «الارتجال» سلاح الغزِّيين لمواجهة الحظر الإسرائيلي على دخول ألواح ركوب الأمواج إلى القطاع appeared first on عربي بوست — ArabicPost.net.

Facebook Comments

عن مابريس تي في

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *